ضرائب جديدة.. عراقيون يدفعون الثمن وسط غلاء المعيشة وتراجع الخدمات
ضرائب جديدة.. عراقيون يدفعون الثمن وسط غلاء المعيشة وتراجع الخدمات
تجلس العراقية هدير أحمد في نهاية كل شهر أمام دفتر صغير تحسب فيه مصروفات أسرتها بدقة قاسية، محاولة أن توائم بين راتب ثابت لم يتغير منذ 7 سنوات وواقع معيشي يتغير كل أسبوع.
تتقاضى هدير، وهي موظفة بعقد مؤقت، 800 ألف دينار عراقي شهرياً، لكنها تشعر أن هذا الرقم يفقد قيمته مع كل قرار حكومي جديد بزيادة الضرائب والرسوم. بالنسبة لها السؤال لم يعد فقط كيف ستدفع، بل لماذا تدفع، وماذا ستحصل بالمقابل بصفتها مواطنة.
بحسب تقرير نشرته صحيفة "إندبندنت عربية" الخميس، تقول هدير إن الحديث المتكرر في العراق عن التقشف وزيادة الإيرادات غير النفطية يثير مخاوف حقيقية لدى شريحة واسعة من العراقيين، خصوصاً أصحاب الدخل الثابت.
وتتساءل عن جدوى الضرائب الجديدة في ظل غياب تحسن ملموس في الكهرباء والماء والصحة والنقل والطرق، مؤكدة أن أي استقطاع إضافي من راتب لا يواكب التضخم يعني اقتطاعاً مباشراً من احتياجات الحياة اليومية ما يفاقم الضغوط الاقتصادية.
الدخل وكلفة المعيشة
وفق بيانات مواقع عالمية متخصصة بكلفة المعيشة، مثل “نومبيو”، فإن متوسط الرواتب في العراق يقل عن 750 ألف دينار عراقي، وهو مبلغ يفترض أن يغطي الإيجار وفواتير الكهرباء الخاصة والمياه والاحتياجات الأساسية، غير أن هذا الافتراض يصطدم بواقع مختلف.
وتشير تقديرات موقع “Livingcost” إلى أن كلفة المعيشة الشهرية للفرد مع الإيجار قد تصل إلى 768 دولاراً، في مقابل متوسط راتب بعد الضريبة يقارب 513 دولاراً، ما يعني أن الدخل لا يغطي سوى 0.7 شهر من النفقات.
هذه الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة هي ما يجعل أي قرار ضريبي جديد صادماً للمواطن، حتى وإن بدا محدوداً على الورق، فزيادة بسيطة على خدمة يومية، مثل الاتصالات أو الإنترنت، تنعكس بشكل تراكمي على بقية الأسعار داخل العراق.
القرارات الحكومية
بحسب ما أعلنته الجهات الرسمية ونقلته وسائل إعلام محلية، بدأت الحكومة العراقية خلال الفترة الأخيرة بتطبيق سلسلة قرارات ضريبية وجمركية، في إطار مسعى لزيادة الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد على عائدات النفط في تمويل الموازنة العامة.
في مقدمة هذه الإجراءات جاءت ضريبة على بطاقات الاتصالات وخدمات الإنترنت، تلاها توحيد نسب التعرفة الجمركية على الأدوية والمستلزمات الطبية بنسبة 5 في المئة، بدلاً من نسب سابقة تراوحت بين 0.5 و4 في المئة، كما شملت القرارات فرض رسوم جديدة على السيارات الهجينة وضريبة جمركية بنسبة 5 في المئة على الذهب، إلى جانب إلغاء نظام التسعير الثابت للحاويات في الموانئ والانتقال إلى جباية متغيرة تعتمد نوع البضاعة.
وتصف هدير أحمد هذه القرارات بأنها بداية لسلسلة ارتفاعات تطول كل شيء، فبطاقة الاتصالات التي كانت تباع بـ5500 دينار قد تصل اليوم إلى 6500 أو 7000 دينار، وهو فرق يبدو بسيطاً لكنه يتكرر مع عشرات السلع والخدمات.
القلق الأكبر برز في ملف الدواء، حيث حذرت نقابة صيادلة العراق من تداعيات قرار مجلس الوزراء رقم 457 لعام 2025، معتبرة أن رفع التعرفة الجمركية على الأدوية والمستلزمات الطبية يهدد استقرار السوق الدوائي وقد ينعكس مباشرة على أسعار الأدوية وتوفرها، ما يمس الأمن الدوائي وصحة المواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود.
في المقابل أكدت الهيئة العامة للجمارك أن الإجراء يهدف إلى تصحيح وتوحيد نسب التعرفة السابقة التي كانت تطبق بشكل متفاوت، وأن نسبة 5 في المئة معتمدة وفقاً للقوانين الجمركية النافذة وتوجيهات مجلس الوزراء.
الضريبة والعدالة الغائبة
يرى مواطنون وخبراء أن المشكلة لا تكمن فقط في فرض الضريبة، بل في غياب العدالة والشفافية في تطبيقها، وتقول هدير إن النظام الضريبي ينجح في الدول التي تقدم خدمات واضحة مقابل ما تجبيه من المواطنين، أما في العراق فيشعر الموظف بأن العبء يقع عليه وحده، في وقت تتهرب فيه فئات أخرى من الدفع أو تتراكم عليها مستحقات دون تحصيل فعلي.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن غياب الثقة بين المواطن والدولة يجعل أي إجراء مالي مثيراً للرفض، حتى لو كان ضرورياً من الناحية النظرية.
في 22 ديسمبر 2025 عقد رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني لقاءً مع خبراء وأكاديميين لمناقشة تنويع الإيرادات وترشيد الإنفاق، غير أن اللقاء أثار انتقادات نيابية، إذ اعتبره بعض النواب تمهيداً لإجراءات تقشفية جديدة، مطالبين بالتركيز على ملف هدر المال العام واسترداد الأموال المنهوبة بدلاً من تحميل المواطن أعباءً إضافية.
وتشير بيانات البنك المركزي العراقي الصادرة في 19 أكتوبر 2025 إلى أن الدين الداخلي بلغ نحو 91 تريليون دينار، في حين بلغ الدين الخارجي نحو 13 مليار دولار، ورغم توصيف هذه النسب بأنها ضمن الحدود الآمنة، فإن تسديد العجز يبقى هاجساً حاضراً في سياسات الحكومة المالية.
أهداف الإيرادات غير النفطية
يوضح العضو السابق في اللجنة المالية النيابية معين الكاظمي أن النظام الضريبي الجديد يهدف إلى رفع إسهامات الإيرادات غير النفطية التي لا تتجاوز حالياً 10 في المئة من إجمالي الإيرادات، ويشير إلى أن الحكومة تستهدف تحصيل ما لا يقل عن 5 تريليونات دينار سنوياً من الضرائب، ومثلها من الجمارك، إضافة إلى إيرادات من قطاعات أخرى.
لكن نجاح هذا المسار، بحسب الكاظمي، يتطلب أتمتة حقيقية للهيئات المعنية، والعمل بمهنية بعيداً عن الفساد وابتزاز المراجعين، وهو شرط لا يزال محل تشكيك لدى الشارع.
ويصف الخبير الاقتصادي رشيد السعدي فرض ضرائب إضافية في الظرف الحالي بأنه قرار غير مدروس، داعياً إلى اعتماد سياسة الإعفاءات الضريبية لإنعاش القطاعات الاقتصادية وتخفيف العبء عن المواطنين، ويرى أن تحفيز الزراعة والصناعة والسياحة قد يوفر فرص عمل ويحد من ارتفاع الأسعار، بدلاً من الضغط على الاستهلاك.
ويضيف خبراء أن المشكلة الأساسية ليست في النصوص القانونية، إذ إن قانون ضريبة الدخل رقم 113 لعام 1982 يعتمد مبدأ الضريبة التصاعدية، بل في التطبيق الذي لا يراعي واقع الدخول المنخفضة ولا يوفر إعفاءات كافية للفئات الهشة.
رسوم بلا خدمات
يشكو مواطنون من تعدد الرسوم التي يدفعونها دون أن يلمسوا تحسناً في الخدمات، فإلى جانب الضرائب، تفرض رسوم مرورية دورية تصل إلى ما يعادل 140 دولاراً، في ظل شوارع تعاني من التخسفات وسوء الصيانة، هذا الواقع يعمق الشعور بأن الأموال تذهب إلى خزينة غير واضحة المصارف.
حتى داخل البرلمان وُصفت بعض القرارات، مثل إعادة فرض الضريبة على خدمات الهاتف والإنترنت، بأنها غير مدروسة وتفتقر إلى الجدوى الاقتصادية، مع دعوات متكررة لمحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة بوصفه بديلاً عن زيادة الأعباء على المواطن.
يعتمد الاقتصاد العراقي منذ عقود على النفط بوصفه مصدراً رئيساً للإيرادات، ما جعله عرضة للتقلبات السعرية العالمية، ومع تزايد الدين العام والنفقات التشغيلية، تسعى الحكومات المتعاقبة إلى تنويع مصادر الدخل عبر الضرائب والرسوم، غير أن ضعف البنية الخدمية وارتفاع معدلات الفساد وغياب العدالة الضريبية جعلت أي محاولة للإصلاح المالي تصطدم برفض شعبي واسع، وبين الحاجة إلى موارد مستدامة وحق المواطن في حياة كريمة وخدمات أساسية، يبقى السؤال معلقاً حول شكل النظام الضريبي القادر على تحقيق التوازن المفقود في العراق.











